تهدف هذه الدراسة إلى إماطة اللثام عن أسس صناعة الحضارة في الإسلام، وتناولت الأساس العقدي والأساس التشريعي والأساس الأخلاقي، وركزت الدراسة على علاقة الحضارة بالعقيدة، وأكَّدت أن الحضارة التي لا ترتكز على عقيدة سليمة من العيوب خالية من الآفات حضارة هشة ضعيفة؛ لأنَّ صانعها لا تقوده عقيدة تصله بخالقة، فتضطرب عنده الحضارة، وبدلًا من أن تحقق الحضارة له لذة العيش في الدنيا، وحسن المآل في الآخرة نجدها تنغص عليه حياته، فالمؤمن بعقيدة التوحيد الذي أسلم وجهه لله، تربطه بالله صلة وطيدة، وعلاقة وثيقة، .. وهذه الصلة تصحبه في مواجهته لتصاريف دنياه، فتحدد له مساره، وترسم له أسس علاقته بالناس، وتضبط له قواعد سلوكه ومعاملاته، وتزن فيه عواطفه ومشاعره ووجدانه تجاه الأفراد والجماعات، وتجاه الأحداث والملابسات، بحيث تبرز من خلال ذلك بناءً إنسانيًّا متكاملًا منطبعًا بطابع هذه العقيدة الفطريَّة القويمة؛ عقيدة التوحيد، وتضمنت الدراسة مفهوم الشريعة، وعلاقتها بالحضارة مؤكِّدة أنَّ الشريعة أساس في بناء الحضارة، وبغير الشريعة تكون المنجزات الحضاريَّة أمراضًا اجتماعيَّة تحتاج لعلاج، وليست حضارة، وأكدت الدراسة: إنَّ الحضارة – أي حضارة- تنتهي عندما تفقد في شعورها معنى الإنسان ،وبما أنَّ الإنسان هو هدف الحضارة وموضوعها، اعتنت الشريعة بحفظ الإنسان، فنتج عن ذلك ما عُرف بالْمُحَافَظَةِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْمَالُ، وَالْعَقْلُ، وأشارت الدراسة أنَّ هذا الكم من التفسيرات، والتحليلات والنظريَّات التي أنتجها أسلافنا لم يكن عبثًا، وإنما كان أساسًا مهمَّا في حياتنا، وخطوة أولى من خطوات صناعة الحضارة، وتحقيق العمران؛ إذ على أساسه وجد المنهج التربوي والأخلاقي الذي يحمي الإنسان من شرور نفسه، ويربطه بربه وخالقه في تحديد غاياته، واتخاذ السبل الشرعيَّة التي تحقق هذه الغايات، ومن ثَمَّ ظهرت كتب الأخلاق، وكتب الفقه، وكتب اللغة، وكتب الفلسفة وكتب التصوف والسلوك؛ لتتكامل في وضع منهج رباني المصدر، يضمن استقرار الحضارة وانتشار خيرها، على أساس عقدي، وتشريعي، وأخلاقي. فهذه الرؤية الإسلاميَّة التي أنتجها التراث الإسلامي تتيح لنا صناعة حضارة آمنة تحترم آدميَّة الإنسان، ولا تُغير على خصائصه، ولا تبدل خلق الله، ولا ترتكب الموبقات والمحرمات؛ لأنها محكومة بمنهج رباني يحرِّم عليها أشياء ويُحلّ لها أشياء، وهذا مناط الأساس التشريعي، والمتتبع لتاريخ الحضارات السابقة وما تركته لنا من آثار لا تزال قائمة يستطيع أن يتعرف بسهولة على ما كان للفكرة الدينيَّة بأبعادها الثلاثة ( العقيدة والشريعة والأخلاق) في هذه الحضارات من دور كبير وأثر عظيم، فالدين عنصر فعَّال في كل الحضارات، وهذا أمر لا يمكن تجاهله.
(عدد خاص)
المؤتمر الدولي الثاني(الحضارة الإنسانية في التراث العربي والاسلامي أصالة الأثر.. عالمية التأثير(في الفترة من 9-10 شعبان 1446هـ، الموافق 8 إلى 9 فبراير 2025م
والأبحاث العلمية المقدمة للمؤتمر تم تحكيمها تحكيما علميا كاملا